لا زلت حتى اليوم أذكر الوقت الذي كثر فيه الحديث عن “ثورة الذكاء الاصطناعي”، وحجم التأثير الكبير المتوقع له في قطاعٍ واسعٍ من الوظائف والمهن. في نهاية عام 2023 أذكر أنَّه ضجت الكثير من وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي حول هذا الموضوع في الوطن العربي، لا سيما منصة لينكدإن، باعتبارها المنصة المهنية الأولى للتوظيف والعمل.
تخوَّف الكثير من أصحاب الكفاءات لا سيما في مجال الكتابة، والتصميم، والبرمجة، والتصوير، من احتمالية اختفاء وظائفهم، لاكتشاف “تقنية” تحل محلهم. أذكر أنني أيضًا لفتني الموضوع جدًا، لا سِيَّما وأنني كنت قد اكتسبت خبرة لمدة 10 سنوات في المجال وقتها، فكان التساؤل الأول الذي راودني: هل سأخسر كل ما كسبته من خبرة في المجال لوجود “بديل تقني” أفضل وأسرع إنتاجًا مني؟!
إذا كنتَ مثلي تعمل في مجال كتابة المحتوى لا بُدَّ أنك سمعت الكثير من العبارات المقلقة: الذكاء الاصطناعي سيحل محل جميع كُتَّاب المحتوى! لماذا ندفع لكاتب محتوى بينما يمكن لـ “آلة” إنجاز المطلوب مجانًا وبوقت قياسي؟ مهنة كتابة المحتوى ستختفي خلال 5 سنوات! وغيرها من العبارات المُؤرِّقة.
مِمَّا لا شكَّ فيه أنَّ هذه الأصوات أثارت الكثير من الشكوك والمخاوف – ولا زالت – في نفوس الكثير من كُتاب المحتوى، وفي المقابل وجدها أصحاب المشاريع والأعمال فرصة ممتازة لتقليل تكاليف توظيف “كاتب محتوى”، اعتقادًا منهم بأنَّ البديل المجاني وحتى المدفوع منها سيكون أفضل بالتأكيد.
وهذا ما دفعنا لكتابة هذا المقال للإجابة على الكثير من التساؤلات التي تخطر في بال الكاتب ورائد الأعمال، فهل سُتغني الآلة عن الحاجة للبشر؟ وهل كل ما سمعناه من أصوات تنادي بتفوق “الذكاء الاصطناعي” حقيقية أم خرافات؟ وهل فعلًا ستختفي وظائف كثيرة؟! وما هو الاستثمار الأفضل للمحتوى لأصحاب الأعمال؟ تابع القراءة لتعرف إجابات هذه الأسئلة وأكثر.
ما سبب هذا الخوف؟ جذور القلق المشروع
في البداية لنكن صادقين مع أنفسنا، هذه المعضلة ليست الأولى في تاريخ العمل والمهن، ولن تكون الأخيرة، فمنذ فجر التاريخ إلى يومنا هذا اختفت الكثير من المهن، وأيضًا ظهرت وظائف ومهن جديدة لم تكن في العصور السابقة، فكل عصر له خصائصه، ومما يجدر الإشارة إليه أنَّ الكثيرين يرون في ثورة “الذكاء الاصطناعي” عصرًا جديدًا ومختلفًا عمَّا سبقه.
إذًا؛ الخوف الذي نشعر به نحن “كُتاب المحتوى” ليس وليد اللحظة، ولا مجرد رد فعل مبالغ فيه، ولكنها حقيقة تستحق الوقوف عليها ومناقشتها. فلماذا هذا الشعور؟
أوَّلًا: التطور السريع والمذهل للذكاء الاصطناعي
لا نتحدث هنا عن خيال علمي، فمنذ انطلاق أدوات الذكاء الاصطناعي، وتوفرها بين أيدينا وتطورها المذهل خلال مدة زمنية قصيرة، فإنَّ هذا جعل الكثير من الكُتاب وأصحاب المهن الأخرى أيضًا يشعرون بالتهديد، والخوف من خسارة مصدر رزقهم، وهذا طبيعي جدًا.
أنت تعرف جيدًا كم تحتاج من الوقت والجهد لكتابة مقال لا يقل عن 1000 كلمة مثلًا، لتجد أنَّ أداة الذكاء الاصطناعي قدمته لك خلال ثوانٍ!
ثانيًا: الضَّجة الإعلامية المُبالغ فيها
نعم، صحيح، فقد ضجّت الكثير من وسائل الإعلام بالحديث عن هذا الموضوع، وركزت على فكرة “اختفاء بعض الوظائف” و”الاستغناء عن البشر”، بهدف جذب المزيد من القُرّاء، بدلًا من التركيز على فكرة “أن الذكاء الاصطناعي سيُعزز إنتاجية بعض الوظائف”!
أسلوب صياغة الخبر وإيصال الفكرة يلعب دورًا كبيرًا في هذا الشعور بالذات.
ثالثًا: التجارب السلبية مع بعض العملاء
مِمَّا لا يخفى علينا أنَّ الكثير من أصحاب الأعمال والمشاريع بدؤوا في الاعتماد الكلي على أدوات الذكاء الاصطناعي، لا سيما لإنتاج محتوى لمنصاتهم، دون أن يُقدروا جيدًا مدى “سوء” هذا المحتوى ورداءته، ليخسروا فرصة ثمينة لإنتاج محتوى أصيل وذي جودة عالية ومتميزة، ويحقق نتائج فعلية.
وقد خسر الكثير من كتاب المحتوى عملاء لهم نتيجة ذلك، ولذا لا يمكننا لومهم على مشاعرهم ومخاوفهم هذه، وأنا نفسي قد مررت بالتجربة نفسها، وأعرف الكثير من الزملاء أيضًا الذين مروا بالأمر نفسه!
رابعًا: الخبرة القليلة عند بعض كُتاب المحتوى وعدم إدراك حدود الذكاء الاصطناعي وإمكانياته
بالفعل، وقع الكثير من كُتاب المحتوى بهذا الفخ للأسف، وقد انبهروا من “كفاءة” أدوات الذكاء الاصطناعي، إذ يرون أنها قادرة قادرة على تقليد أسلوبهم في الكتابة بكفاءة، وهذا الجهل وعدم الخبرة الكافية يُغذي شعورهم بالخوف من المجهول.
تكمن المشكلة هنا برأيي أن كتاب المحتوى انقسموا قسمين، الأول رفض استخدام هذه الأدوات بالكامل، والثاني اعتمد عليها بالكامل، وبناءً عليها انعكس هذا على رأيهم بالموضوع. خبرتك السابقة في كتابة المحتوى ستساعدك حتمًا في معرفة إمكانيات الذكاء الاصطناعي ومحدوديتها، وأنها لن تحل مكانك أبدًا.
خامسًا: عدم تمييز أصحاب الأعمال والمشاريع “جودة” المحتوى
من المشاكل الأساسية التي واجهت كُتاب المحتوى المحترفين بنظري عدم قدرة أصحاب الأعمال والمشاريع على تقييم المحتوى، وتمييز المحتوى الأصيل من عدمه. فمنهم من يشترط على الكاتب أن لا يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي أبدًا، ومنهم من لا يستعين بكاتب من الأصل ليعتمد على إنتاج الأداة فقط. وكلا الحالتين تؤديان إلى نتائج رديئة، ولن يحصل صاحب الأعمال على النتائج التي يطمح إليها.
أما كاتب المحتوى سيكون عليه أن يتحلى بالذكاء والاحترافية، ليكون قادرًا على تقديم محتوى متميز يُقنع به العميل، وهي ميزة إضافية تضاف في رصيد الكاتب المحترف، بينما تُعد سببًا للخوف والشك للكاتب المبتدئ أو قليل الخبرة.
حسنًا، السؤال الذي قد يراود كاتب المحتوى هنا: هل عليَّ إذًا أن أبحث عن وظيفة أخرى؟
أما العميل “صاحب المشروع” فأعتقد أنَّه يتساءل في نفسه: كيف أتخذ القرار الصائب بهذا الصدد؟ هل أستعين بكاتب محترف؟ وكيف أميز المحتوى الجيد من الرديء؟ أم هل أكتفي بأدوات الذكاء الاصطناعي؟
كاتب المحتوى: هل عليَّ أن أبحث عن وظيفة أخرى؟
بالطبع الإجابة ستكون: لا.
لا تفكر في تغيير مهنتك إلا إذا كنتَ لا تحبها أولًا، وإذا كنت غير مستعد لبذل المزيد من الجهد لتعزيز خبرتك في الكتابة، وتعلم أهم تقنيات وطرق الكتابة التي تُميز أسلوبك وطريقتك الخاصة. لكل كاتب مِنّا بصمته الخاصة دائمًا، ولذا عليك أن تؤمن أولًا بقدراتك ومهاراتك، وأن تسعى لإيجاد بصمتك الخاصة في عالم المحتوى.
من يخبرك بأن وظيفة “كتابة المحتوى” انتهت، محق ومخطئ في الوقت نفسه؛ فالكاتب الذي يعتمد على الطرق التقليدية في الكتابة دون وضع بصمته الخاصة لن يعود قادرًا على المنافسة في هذا القطاع، بينما الكاتب المحترف والقادر على “الدمج” ما بين مهارته في الكتابة واستخدامه لأدوات الذكاء الاصطناعي هو من سيزيد الطلب على خدماته!
فكِّر مليًّا في هذه الإجابة، وستجد فيها الحل المناسب لمعضلتك.
خرافات شائعة عن الذكاء الاصطناعي وكتابة المحتوى
انتشرت الكثير من الخرافات حول هذا الموضوع، ومن أهمها:
1. الذكاء الاصطناعي قادر على محاكاة العقل البشري بالكامل
بالطبع هذه الخرافة خاطئة تمامًا، الذكاء الاصطناعي نظام متطور لمعالجة اللغة، ولكن لا يمكن أن يحل مكان “الإنسان” أبدًا!
لا يمكن للآلة أن تعيش تجارب إنسانية، أو تشعر، أو تعاني، أو تفرح حتى، إنما هي تعيد صياغة البيانات التي قدمها لها “الإنسان” نفسه.
2. المحتوى الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي مجاني ولا يُكلف تكاليف إضافية
هذا الأمر خاطئ، فالعميل الذي يعتمد على المحتوى المنتَج من الذكاء الاصطناعي سيضطر إما لبذل الوقت والجهد للتحقق من الحقائق وتصحيح الأخطاء، وكذلك سيضطر إلى إعادة صياغة النصوص نفسها لجعلها “شبه إنسانية”، فضلًا عن حاجته لأدوات تساعده في التدقيق والتحرير، بالإضافة إلى التكلفة التي قد يدفعها مقابل تسجيل اشتراك في الأدوات المدفوعة.
إذًا، فأن تخسر مالًا، ووقتًا، وجهدًا للأسف دون أن تدرك حقيقة ذلك، بينما استعانتك بكاتب محترف وخبير سيُغنيك تمامًا عن كل ما سبق ذكره، فالكاتب المحترف قادر ومتمكن من إنتاج محتوى عالي الجودة، ولا تحتاج نصوصه إلى تدقيق لغوي أو تحرير، بالإضافة إلى تحريه الدقة في ذكر الحقائق والدراسات. والأهم من ذلك كله، أنه سيقدم لك “محتوى إنسانيًا أصيلًا”، يتفاعل معه جمهورك المستهدف، ويحقق النتائج التي تسعى إليها.
3. الذكاء الاصطناعي قادر على الإبداع الحقيقي والتأثير
هل تتخيل أن الآلة قد تستطيع الكتابة مثلًا عن موضوع يتعلق بشكل أساسي بتجارب شخصية وقصص إنسانية؟
الإنسان فقط من يستطيع عكس مشاعره، وتسجيل أفكاره ومشاهداته لتفاصيل التجربة. أؤمن تمامًا بأنَّ الإبداع البشري لا يزال إلى اليوم عَصِيًّا على التقليد، فلا تستطيع أدوات الذكاء الاصطناعي الإبداع من العدم.
حقائق مهمة يجب أن يعرفها صاحب الأعمال ومدير المشروع
من المهم أن يعرف كل مدير مشروع أنَّ هناك حقائق مفروغًا منها حول الذكاء الاصطناعي، وستؤثر بالتأكيد في قراره على الاستعانة بخدمات كاتب خبير، أو الاكتفاء بما ينتجه الذكاء الاصطناعي، ومن أهمها:
1. يفتقر الذكاء الاصطناعي للتجربة الإنسانية اليومية
لا يستطيع الذكاء الاصطناعي وصف مشاعر “الحب” إلا من خلال تحليله لملايين النصوص حول الموضوع نفسه، لكنه لم يقع في الحب.
من أهم ما يُميز الكاتب الإنسان قدرته على تحويل التجارب والأفكار إلى نصوص تعبر عن مشاعره، والتي تُضفي العمق والمصداقية للنصوص. فمن أفضل من يكتب عن لحظة النجاح بعد معاناة وتجارب فاشلة أفضل ممن عاش هذه التجربة بكل تفاصيلها؟!
2. خوارزميات محركات البحث تُطوِّر آليات كشف المحتوى الأصيل
ما الفائدة من نشر محتوى مكتوب بالذكاء الاصطناعي ودون تدخل بشري، لتكشفه محركات البحث وتصنفه على أنه محتوى منسوخ أو غير أصلي؟!
3. الذكاء الاصطناعي يُنتج محتوى متوسط القيمة غالبًا
حتى تُميز علامتك التجارية عن غيرك من المنافسين في المجال نفسه لا بُدَّ من إنتاج محتوى متميز، يَعلق في ذهن جمهورك، ويخاطبهم بمناقشة مشاكلهم ونقاط ضعفهم التي لاحظتها من خلال تعاملك المباشر معهم. لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعرف تمامًا ما يعاني منه جمهورك، أو تفاصيل نقاط الألم التي عليك تقديم “محتوى” يساعدهم في حلها أو معالجتها.
كيف غيَّرت أدوات الذكاء الاصطناعي مهنة كتابة المحتوى؟
لا أنكر أبدًا أنَّ طبيعة متطلبات مشاريع كتابة المحتوى اختلفت تمامًا، ولكن هذا لا يعني أبدًا أن مهنة الكتابة قد انتهت.
بل على العكس، فمن وجهة نظري وجد كاتب المحتوى المحترف نفسه أمام مفترق طرق، إما أن يتكيف مع هذا التغيير، ويعمل على استغلال هذه الأدوات لصالحه، ولمساعدته في إنتاج محتوى أفضل حتى. أو يقرر الاستسلام للواقع، ويفكر في تغيير المهنة تمامًا.
أحب دومًا أن أُشبِّه الأمر باختراع أدوات الزراعة الحديثة، فمما لا شك فيه أنها غيرت طريقة عمل “المزارع”، ولكنها غيرتها للأفضل بالتأكيد، من زيادة الإنتاجية إلى تطوير أدوات الحصد، إلى ابتكار طرق مختلفة في زراعة النباتات وتكثيرها.
لذا، الحل الأمثل لكاتب المحتوى هنا أن يتحلى بالمرونة أولًا، وأن يسعى لاستغلال هذه الأدوات لصالحه.
عندما تستخدم هذه الأدوات لصالحك ستكون قادرًا على:
- تقليل الوقت الذي تقضيه في المهام الروتينية (مثل: البحث الأولي)، وزيادة الوقت المخصص للمهام عالية القيمة (مثل: التخطيط الاستراتيجي للمحتوى، وتحرير المحتوى الخام وإضافة اللمسة الإنسانية، وتحليل أداء المحتوى وتحسينه).
- استخدام الذكاء الاصطناعي لتوليد ما لا يقل عن 10 أفكار لمنشور واحد، ومن ثم اختيار الأفضل منها وتطويرها وتحسينها.
- تحليل بيانات الجمهور المستهدف، واقتراح أفكار جديدة، قد لا تخطر لك بناءً على محدودية رؤيتك في إطار معين.
أما نصيحتي لصاحب العمل ومدير المشروع، فإنَّ الاستثمار الأفضل الذي تقدمه لمشروعك سيكون باستعانتك بكاتب محتوى محترف، يستعين بأدوات الذكاء الاصطناعي ولا يعتمد عليها اعتمادًا كاملًا، ما يساعدك في صياغة صوت علامتك التجارية، وإيصال الرسالة الصحيحة لجمهورك المستهدف، وإنتاج محتوى إنساني أصيل عالي الجودة ومتميز.
الخلاصة: لمهنة كتابة المحتوى مستقبل باهر بتعاون الآلة والإنسان
أؤمن حقًا بأنَّ ثورة الذكاء الاصطناعي ستكون بداية جديدة ومختلفة في عالم المحتوى التسويقي للعلامات التجارية، وأنَّها سترفع من كفاءة الإنتاج، وتزيد الإبداع تألقًا كما كان للحاسوب تأثيره في مهنة الكاتب، حين لم يعد يستخدم “آلة الكتابة”، بل جعلته أكثر كفاءة وإبداعًا.
إذًا، خلاصة القول الكاتب البشري المُبدع والمتقن لأدوات الذكاء الاصطناعي هو الرابح الأكبر، ومدير الأعمال الأذكى هو من يستعين بخبرات هذا الشخص.
“هديل البكري” كاتبة محتوى تسويقي خبيرة في تطبيق استراتيجية التسويق بالمحتوى الرقمي لتعزيز حضور العلامات التجارية رقميًا. خبرتها في كتابة المحتوى التسويقي تزيد عن 12 عامًا، وقد كتبت حتى اليوم أكثر من 3,600 مقال، نُشرت على مواقع إلكترونية عربية مختلفة.





2 تعليق
م. طارق الموصللي
لا أعلم كيف استطعتِ مناقشة موضوع “مُكرر” بكل هذا الإبداع!
أظن كتاباتكِ أكبر دليل على صدق دعواكِ؛ إذ يستحيل أن يخرج الذكاء الصُنعي من بوتقة “النماذج السابقة”، على عكس سمّوك أختي هديل
محسن الحاشدي
بالفعل م. طارق..